سيد محمد طنطاوي
120
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال : * ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناه بِقَدَرٍ . وما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) * . وقوله : * ( كُلَّ ) * منصوب بفعل يفسره ما بعده ، والقدر : ما قدره اللَّه - تعالى - على عباده ، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته . أي : إنا خلقنا كل شيء في هذا الكون ، بتقدير حكيم ، وبعلم شامل ، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب ، كما قال - تعالى - : وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَه بِمِقْدارٍ ، وكما قال - سبحانه - : وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُه وما نُنَزِّلُه إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ، وكما قال - عز وجل - : وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَه تَقْدِيراً . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة ، على إثبات قدر اللَّه السابق لخلقه ، وهو علمه بالأشياء قبل كونها . وردوا بهذه الآية وبما شاكلها ، وبما ورد في معناها من أحاديث على الفرقة القدرية ، الذين ظهروا في أواخر عصر الصحابة . ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة قال : جاء مشركوا قريش يخاصمون رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في القدر ، فنزلت : * ( يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناه بِقَدَرٍ ) * « 1 » . والباء في قوله * ( بِقَدَرٍ ) * للملابسة . أي : خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم ، اقتضته سنتنا ومشيئتنا في وقت لا يعلمه أحد سوانا . . . وقوله - سبحانه - : * ( وما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) * بيان لكمال قدرته - تعالى - . واللمح : النظر السريع العاجل الذي لا تريث معه ولا انتظار ، يقال : لمح فلان الشيء إذا أبصره بنظر سريع . . . وقوله : * ( واحِدَةٌ ) * صفة لموصوف محذوف . أي : وما أمرنا وشأننا في خلق الأشياء وإيجادها ، إلا كلمة واحدة وهي قول : « كن » فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر في السرعة . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : إِنَّما أَمْرُه إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ . والمراد بهذه الآية وأمثالها : بيان كمال قدرة اللَّه - تعالى - وسرعة إيجاده لكل ما يريد
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 267 .